ابن عجيبة
383
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قال البيضاوي : فيه إشارة إلى أن اتّباعه - أي : إبراهيم - واجب في التوحيد الصرف والاستقامة في الدين ، والتجنب عن الإفراط والتفريط ، وتعريض بشرك اليهود . ه . الإشارة : إذا تحقق للفقير الإخلاص ، وحصل على التوحيد الخاص ، كان الطعام كله حلالا له ، لأنه يأخذه بالله ، ويتناوله من يد الله ويدفعه لله ، مع موافقة الشريعة ، ولم يغض من أنوار الطريقة ؛ بحيث لا يصحبه شره ولا طمع . وكان عبد الله بن عمر يقول : كل ما شئت ، والبس ما شئت ، ما أخطأتك خصلتان : سرف أو مخيلة . ه . وإنما امتنعت العباد والزهّاد من تناول الشهوات المباحات خوفا على أنفسهم أن تجمح بهم إلى تناول أسبابهما ، فتعطلهم عن العبادة ، وكذلك المريدون السائرون ، ينبغي لهم التقلل من تناولها ؛ لئلا يتعلق قلبهم بشئ منها ، فتعطلهم عن السير ، وأما الواصلون العارفون ، فقد تحقق فناؤهم وبقاؤهم ، فهم يأخذون بالله من يد الله ، كما تقدم . والحاصل : أن النفس ما دامت لم تسلم ولم تنقد إلى مشاهدة ربها ، وجب جهادها ومخالفتها ، فإذا أسلمت وانقادت إلى ربها ، وجب الصلح معها وموافقتها فيما يتجلى فيها . والله تعالى أعلم . ولمّا كانت اليهود لا تحجّ بيت الله الحرام ، الذي بناه خليل الله إبراهيم عليه السّلام ، مع زعمهم أنهم على ملته ، ردّ الله تعالى عليهم بقوله : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ . . . إلخ ، وقيل : تفاخر المسلمون واليهود ، فقالت اليهود : بيت المقدس أفضل ؛ لأنه مهاجر الأنبياء ، وقال المسلمون : الكعبة أفضل ؛ لأنه أول بيت وضع في الأرض ، أنزل الله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 96 إلى 97 ] إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ( 96 ) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ( 97 ) قلت : ( بكة ) : لغة في مكة ، والعرب تعاقب بين الباء والميم ، تقول : ضربة لازم ولازب ، وأغبطت عليه الحمّى وأغمطت ، وقيل : ( مكة ) بالميم : اسم للبلد كله ، وبكة : اسم لموضع البيت ، سميت بذلك ؛ لأنها تبك أعناق الجبابرة - أي : تدقها - فما قصدها جبّار قط بسوء إلا قصمه الله . و ( مباركا ) : حال من الضمير في المجرور ، والعامل فيه الاستقرار ، أي : الذي استقر ببكة مباركا ، و ( مقام إبراهيم ) : مبتدأ ، والخبر محذوف ، أي : منها مقام إبراهيم ، أو بدل من ( آيات ) ، بدل البعض من الكل ، أو عطف بيان ، على أن المراد بالآيات : أثر القدم في الصخرة الصّماء ، وغوصها فيها إلى الكعبين ، وتخصيصها بهذه المزيّة من بين الصخور ، وإبقاؤه دون سائر آثار الأنبياء ، وحفظه مع كثرة أعدائه ألوف سنة ، فكان مقام إبراهيم ، وإن كان مفردا ، في قوة الجمع ، ويدل عليه أنه قرئ ( آية ) : بالتوحيد .